تكنولوجيارئيسيمقالات

د. يوسف بساده يكتب: التعليم الجامعي الإلكتروني يساعد في تنمية الإقتصاد ودعم المشاريع الريادية في مصر

غادرت مصر قبل ستة عقود حيث حصلت على درجات علمية في ثلاث دول، وعملت في مجال التدريس الجامعي في أربع قارات ولكننيأشعر دائما بأنني مصري وفخور جدًا بجذوري.صَرفتُ تقريباً كُلّ مسيرتي المهنية في انشاء وتأليف وكتابة مساقات تعليمية لطلبةفي المرحلة الجامعية وفي الدراسات العليا في جميع أنحاء العالم. درّست في الجامعات الحكومية والخاصة مستخدما معظم الوقت مساقات تعليمية قمت بتطويرها بنفسي. مما وفر لي فرصة ذهبية لمقارنة مختلف المناهج التعليمية الموجهة إلى الطلبة وبخاصة في مجال إدارة الاعمال وما يتفرع منها.

مصر تحتاج لقفزة تعليمية في مجال التعليم الالكتروني خاصة مع ما تمر به من تحديات وطالما كانت مصر منارة العلم والتعليم وما مكتبة الإسكندرية إلا شاهد على عراقتنا في التعليم الذي نشره أجدادنا حول العالم. مصر تحتاج عدد خرجين أكثر مما هو عليه الان والسبب في ذلك قدرة التعليم على التنمية بل وجلب العملة الصعبة أو العملات الأجنبية لداخل مصر عن طريق أولئك المدرسيين والمهندسين وأساتذة الجامعات والأطباء والذي يمنحون مصر سنويا من خلال الاغتراب دعم لاقتصاد البلد وهم الذي يعملون في الخليج وخاصة في السعودية او في دول أوروبية. لهذا نحن نحتاج للمزيد من الخريجين الجامعيين الذين سينتشرون حول العالم وليعودوا لنا بأموال تدعم التنمية داخل مصر تماما كما هو الحال منذ الخمسينات من القرن الماضي ولغاية الان. لكن الجامعات الان في مصر لا تستطيع زيادة عدد الخريجين بشكل كبير ولهذا نحن بحاجة لبدائل.

جائحة الكورونا وما يصيب العالم من نزاعات خاصة في شرق أوروبا سيقلل من صادرات دول الشرق الأقصى وسيزيد الاستثمار الصناعي والتصنيع الأجنبي في مصر خلال الأعوام القليلة القادمة خاصة مع وجود مخزون الطاقة من غاز وبترول في مصر وبالتالي تتوفر عندنا اليد العاملة والطاقة لهذا يبقى النقصلأولئك من التقنيين والمهندسين الذين تحتاجهم الشركات الكبرى لإدارة وتنظيم العمل. وسيتعزز مصطلح “صنع في مصر” كمصطلح عالمي أفضل من “صنع في بلد آسيوي” بسبب جودة الإنتاج.ولا يمكن الحصول على جودة الإنتاج دون قوة عمل مؤهلة، أي من ذوي التعليم الأفضل والتخصصات المتقدمة.

التعليم العالي خارج مصر مكلف جدا ليس فقط على الطالب نفسه بل على الدولة لان ذلك الطالب سيسافر للخارج وسيدفع بالعملة الأجنبية وكما نرى الان فإن الدراسة في الخارج سوف تصبح أكثر تكلفة بسبب الجائحة والمشاكل في شرق أوروبا وأسعار الطاقة ترتفع يوميا. وينطبق ذلك أيضاً على الطلاب الراغبين في الدراسة في إحدى الجامعات الأجنبية الموجودة في داخل مصر حيث يتعين دفع رسوم التعليم بالنقد الأجنبي والاسعار باهظة وفوق إمكانيات معظم المصريين. لكننا في نفس الوقت بحاجة لشهادات جامعية اجنبية لرفع مستوى الطلبة الذين يبحثون على وظائف مرموقة وجيدة وبالعادة الشهادة من الدول الأجنبية تكون مغرية لأرباب العمل وأصحاب الشركات في مصر.
الحل بالتعليم الالكتروني

كل هذه التحديات التي تواجه مصر وقطاع التعليم فيها وكذلك الطلب على زيادة عدد الخرجين يدفعنا للبحث عن حلول عملية فنحن نريد خرجين أكثر بشهادة اجنبية وبتكلفة أقل. لهذا الحل هو بالتعليم الجامعي الالكتروني أو كما يسمى التعليم عبر الانترنت. مثال على ذلك جامعة University of the people وهي جامعة غير ربحية أمريكية ويصل عدد طلابها لأكثر من مئة وسبعة عشر ألف طالب حول العالم. الفكرة بسيطة هيأن الجامعة بالكامل تدرس عبر الانترنت وحاصلة على اعتراف من هيئة التدريس الجامعي الأمريكي بمعنى أنها معترف بها في الولايات المتحدة. تكلفة هذه الجامعات زهيدة جدا.

هذه الجامعة تمنح شهادات إدارة الاعمال باللغة العربية وهي الجامعة الأمريكية الوحيدة التي تمنح شهادة معترف بها امريكيا وتعلم باللغة العربية وإلى جانب ذلك هناك عدة تخصصات باللغة الإنجليزية كالحاسوب والعلوم الطبية والتربية إضافة لدراسات العليا في إدارة الاعمال والحاسوب والتربية. أما بخصوص الطلبة المصريين او العرب الذي لا يتقنون الإنجليزية فيمكنهم الالتحاق بدورات تعلم اللغة الإنجليزية ومن ثم دراسة البكالوريوس باللغة الإنجليزية او دراسة إدارة الاعمال بالعربية.

معظم المدرسيين فيها من الكفاءات العلمية الذين يريدون تقديم شيء مجاني في مجال التعليم بعدما أنجزوا العديد من الإنجازات في كبرى الجامعات العالمية ولهذا يتبرعون بوقتهم وجهدهم لتقديم أفضل تعليم لكن بطريقة تقدمية وهي عبر الانترنت. هكذا يتم توفير فرصة للشباب وكبار السن للحصول على شهادة جامعية أو ماجستير معتمدة إذا لم يكن لديهم الوقت والقدرة المالية للذهاب إلى الجامعة.

إضافة لذلك يوجد العديد من المنح الدراسية لطلاب الذين يعانون من ظروف حياتية صعبة كما في سوريا وأفغانستان ومؤخرا من أوكرانيا الذي باتوا بلا جامعات. وهذه المنح توفر رافعة لعائلات ومجتمعات في ظروف قاسية كالحروب والكوارث إضافة لبعض الطالب الذين عندهم عجز مالي حاد.
من الصعوبات التي تواجه الطلبة من الأرياف المصرية هو الوصول للمدن الكبرى التي فيها جامعات.وتحمل أعباء السفر اليومي بالقطار أو السكن في المدن مما يزيد من ثقل التكاليف على أهل الطالب. التعليم عن بعد ينهي تماما هذه المعضلة فالطالب لا حاجة ان يسافر او ينتقل يوميا لتعلم بل ببساطة يدرس من منزله سواء في المدن أو الريف طالما كان هناك خدمة انترنت ولو محدودة.
الشركات هي التي تدرس الموظفين

التعليم عبر الانترنت يوفر فرصة ذهبية لمدراء الشركات لرعاية الموظفين الواعدين للحصول على درجة علمية قيمة أثناء قيامهم بالعمل بدوام جزئي في شركاتهم بذات الوقت. والطريقة هي أن الشركة تمنح الموظف «عقد تدريب مهني» وهو نظام يستخدم على نطاق واسع في ألمانيا وسويسرا والبلدان الاسكندنافية واعتمدته فرنسا أخيرًا. وبالنسبة للموظف، فإنه يحقق هدفا مزدوجايتمثل في التدريب أو التعليم مدفوع الأجر من قبل الشركةوفي نفس الوقت يعمل في نفس مجال دراسته. تسمح هذه العملية للشركة أو صاحب العمل باختيار وتدريب الموظفين الشباب الواعدين للبقاء في الشركة وهو نوع من الاستثمار بالبشر أنفسهم عن طريقة تنمية قدراتهم وتقوية مهاراتهم والحصول على تعليم أكاديمي. هذه الطريقة المبدعة تعمل على تنمية الموظفين خاصة من هم في الثلاثين في العمر. الشركات في المقابل تضمن حقها ببقاء الموظف يعمل فيها لسنوات معينة وهنا الموظف نفسه سيضمن وظيفة ثابتة وبهذه الطريقة يضمن الطرفين الاستمرارية والاستقرار في طريق تنمية المهارات ورفع القدرات.

يستطيع الموظف أن يدرس ويعمل في نفس الوقت أو بالأحرى سينسق دراسته ضمن الوقت الذي يراه مناسبا فمثلا يمكنه أن يدرس في ساعات العصر والليل بعد الانتهاء من وظيفته او في أيام العطل الأسبوعية وخلال أربع سنوات يحصل على شهادة جامعية أو خلال عام ونصف على شهادة ماجستير دون ان يترك عمله. طريقة التدريس عبر الأنترنت هي فريدة فالطلبة يدرسون بمفردهم في الوقت المناسبلهم،إلا أنهم ينتمون إلى مجموعة من عشرين طالبا على تواصل مستمر مع بعضهم البعض تحت إشراف مدرس وكل ذلك اونلاين. ويتلقى الطلبة في كل أسبوع قائمة بالمهام والقراءة الواجب إنجازها. وبمجرد الانتهاء من إحدى المهام، يتم نشرها على الانترنت وتصبح في متناول الطلبةالتسعة عشر الآخرين المنتمين إلى نفس المجموعة. وخلال هذه المبادلات، يعزز الطلبة معرفتهم من خلال استعراض وتصحيح وتقديم المشورة لزملائهم الطلبة. وهذه الطريقة المبتكرة تحاكي لغة العصر التي تعتمد على الانترنت في كل شيء من التجارة والترفيه فلماذا التعليم يبقى تقليديا.

تنمية التعليم والبحث عن أساليب تعليمية جديدة لا يقل أهمية عن الاهتمام بتنمية الموارد الاقتصادية وكي نقفز في مجال الصناعة والزراعة فلا غنى عن تحسين الأداء التعليمي. العدد المطلوب للخرجين يزداد عالميا وموقع مصر الجغرافي وقربها من مصادر الطاقة وكونها على البحر المتوسط قبالة أوروبا كل ذلك يدفع باتجاه التفكير بشكل أعمق في كيفية تلبية طلب السوق المحلي والعربي خاصة الخليجي من الخرجين ولهذا يمكن للتعليم الإلكتروني أن يشكل رافعة حقيقة.

 

د. يوسف فؤاد بساده
خبير التعليم الجامعي الدولي

الأستاذ الزائر المتميز فيتخصص ريادة الاعمال في الجامعة الامريكية في القاهرة

وفي المعهد الأوروبي لادارة الاعمال في فرنسا

الرابط المختصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى