أخبارأخبار محلية

سيد إسماعيل ضيف الله يكتب: “شجاعة نجيب محفوظ المرغوب فيها”

أتخيل الأستاذ حيًا وإلى جواره أحد رفقائه يقترب من أذنه ليُسمعه اتهامه المتداول هذه الأيام بالجُبن. لا أتوقع منه رد فعل سوى ابتسامة ساخرة وحزنٍ عميقٍ في النفس، وشفقةٍ على أناس تدهسهم أيامهم وتُستنزف أحاسيسهم وتُسلب المعاني من عوالمهم.

وبعد أن يُشعل سيجارته الطويلة وينفث دخانه سوف يرقب من بين تلك المشاعر المتضاربة بصيص أمل فيما يسمعه ليقول لنفسه: قد تكون تلك بشارة من قومٍ يحلمون بالتوقف عن تقديس أسلافهم، وربما يلقي بعد ذلك بقفشة من قفشاته: يعني هي عبادة الأسلاف جت عندي ووقفت يا ولاد!

لم يزعم الأستاذ نجيب محفوظ يومًا أنه كاتب مقال سياسي فضلاً عن أن يكون قد قدم نفسه باعتباره مناضلاً يساريًا أو ناشطًا ليبراليا حقوقيًا أو مُجاهدًا إسلاميًا، لكن الجميع كان يفرط في تأويل رواياته ليجذبه إلى صفه ويلبسه عباءته الأيديولوجية لتتزين به الأيديولجيات الراكدة أسواقها في مجتمع اعتاد أنَّ من يصل إلى قمة السلطة فيه هو من يستطيع أن يلعب بجميع الأيديولوجيات الكرة، ويستوزر اليساري المناضل والإسلامي الوسطي والليبرالي بعد أن يعلن الجميع الولاء للحاكم الفرد المتحرر من الأيديولوجيا.

ويمكن أن نلحظ في هذا الجدل المتجدد حول نجيب محفوظ مدى سطوته على العقول وتوغله في النفوس مرجومًا ومبجلاً ، إذ صار بذاته -وليس بنصوصه فقط -عرفًا من أعراف الأدب والثقافة العربيين، وكأنه لا يمكن لمثقف تال له أن يحدد موقعه على خريطة الثقافة العربية دون أن يدلي بدلوه حول نجيب محفوظ بعد أن تمت أسطرته باعتباره نموذجًا لحالة فريدة في تاريخ العلاقة بين المثقف والسلطة، بل وفي تاريخ العلاقة بين الأدب العربي المحلي والأدب العالمي في آن.

إن ما يُدلي به مثقف حول نجيب محفوظ يعكس تصوره الشخصي لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين المثقف والسلطة من ناحية، وطبيعة العلاقة بين المحلية والعالمية. والفرق واضح بين ما ينبغي وفق تصوراتنا وما نقوم به بالفعل في حياتنا اليومية على هذين المستويين، لكن ولكي نتجاوز شخصنة الجدل، علينا أن نفترض أن ثمة شجاعة متخيلة يريد البعض أن يُلبس ثيابها لمحفوظ باعتبارها ممثلاً أيديولوجيا له، فمن موقع المثقف اليساري الذي لم تتح له فرصة السير في ركب نظام سياسي حاكم على مر عقود، أو لم يسع لذلك لانشغاله بالنضال في دائرته الضيقة، يطلب من محفوظ بأثر رجعي تعويض ما فات الجميع من مواجهة أنظمة الحكم الاستبدادية على مدى عقود عمره، وأن يواجه من هم أخطر من أنظمة الحكم المستبدة على الحياة وهم الناس وثقافتهم الدينية السائدة وسلطانهم الاجتماعي، بل وأن تكون المواجهة بالطريقة التي يعرفها ذلك الموقع الأيديولوجي تحديدًا، ووفق هذا التصور للعلاقة. ليس من المهم التفكير في مآلات هذه المواجهة على حياة الأفراد، ولا ما حققته من تغيير فعلي في الحياة السياسية والاجتماعية، وإنما نيل وسام المعارضة بالسجن لشهور أو سنوات، أو نيل الشهادة في سبيل الحرية!

لماذا يصعب علينا أن نمنح تلك الحرية لنجيب محفوظ أن يختار الطريقة التي يموت بها والطريقة التي يعيش بها مثله مثل أي إنسان ليس له جريمة سوى أنه كان يعي اختلافه عمن حوله ويعلم ما يتيحه له سياق سياسي في دولة من دول العالم الثالث التي تحبو على طريق الحرية؟!

لماذا لا نحترم الفرد إلا عندما يكون حاكمًا؟! وإذا كنا ضد الحاكم الفرد طلبنا فردًا مخلصا مهديًا؟ وحين وجدنا الفرد الذي استطاع بخصائصه الفردية أن يحقق استقلاله عن الجماعة المحيطة به وهو الواعي بتحولاته وتحولاتها وحدود تورطه معها التي حددها لنفسه مبدعًا لا نستطيع قبوله إلا بعد تنميطه تمهيدًا لتقديسه أو شيطنته؟!

إن للبشر جمالاً مثلما للنصوص الأدبية جمالياتها، وإذا كان لا يمكن الزعم بأن ثمة قيمة جمالية عالمية ثابتة يمكن مطالبة جميع النصوص باقتفائها وتحقيق نصيب متساو منها عبر الزمان والمكان، فمن المستحيل أن نتوقع من الأفراد أن تكون قيمتهم الجمالية واحدة وثابتة ومستقرة وفق معايير واحدة عابرة للأيديولوجيات، تلك الأيديولوجيات التي بطبيعتها تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة واستقبال الناس لها.

هل نقول إن تلك الصياغة التي اختارها الأستاذ لعلاقته بالسلطة في بلاده هي النص المركزي الذي أتقن محفوظ كتابته بشكل يضمن له ألا يخسر نفسه إنسانًا وينتقل عبر الزمان والمكان كاتبًا إنسانيًا؟!
لقد فرض محفوظ نفسه على أنظمة الحكم المختلفة مثلما فرض نفسه على معايير الغرب في منح العالمية لآداب الأمم المختلفة، فعلى مستوى العلاقة بالسلطة أدرك محفوظ مبكرًا أن النضال الثقافي أهم وأخطر من النضال السياسي فراح يكتب بالرواية خطابه النقدي لثقافة متكلسة ظالمة لأهلها ما لم يكتبه أعتى جهابذة نقد الخطاب العربي والإسلامي،لأنه فيما كتبه كان حريصًا على إبراز التوازن بين القيم الإنسانية، وتلك كانت خصيصيته التي فرض بها على الغرب الاعتراف بعالميته.

لم يتورط محفوظ في تمثيل أمته أمةً إرهابية ديدنها الدم، ولا أمة شبقية ليغازل مغازلة رخيصة للصورة النمطية عن العرب في عيون الغرب، بينما جلُّ من تُرجم لهم بعده كانوا يهرولون وراء المستعربين مستجيبين لسوق الترجمة دون اعتبار لآثار ذلك على موقع الأدب العربي عالميًا!

لم يتورط محفوظ في ذلك لأنه اختار بشجاعة المعركة الأصعب وهي أن تكون معركته مع نفسه من أجل جماليات الأدب وسعيًا لقارئ إنسان كان على يقين من الوصول إليه رغم أنف كل سلطة تتخيل نفسها يمكن أن تمنع عنه اعترافًا بعالمية هو يستحقها بجدارة!

وبالمثل لم يتورط محفوظ في معارك صغرى مع نظم حكم محلية، لأنه أدرك أن في مثل مجتمعاتنا تكون المنافسة بين الممثل الثقافي للإنسان في بقعة معينة من الأرض وفي لحظة معينة من التاريخ وبين الممثل السياسي المحلي أيًا كانت شرعيته، منافسة ضارية لا يكون فيها الانتصار فيها للممثل الثقافي إلا إذا كان يعرف كيف يصوغ علاقته بالحاكم على نحو يمكّنه من ألا يخسر نفسه إنسانًا ليعبر الزمان والمكان كاتبًا مخلصًا لقيمه الإنسانية وليس لأيديولوجية حبيسة زمان ومكان.

إن من انتصر على نفسه مرات عدة في التجريب واللعب بتقاليد كتابة الرواية التي استوردتها أمته ممن استعمرها عقودًا – ولازالوا يستعمرونها- لا يدخل معركة مع غيره، لأنه قرر أنه بانتصاره على نفسه يكون قد انتصر على التابع والمتبوع في آن واحد.

الرابط المختصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى